ابن عربي
199
فصوص الحكم
على حقائقها . وكل ذلك من العالم وهو تدبير الحق فيه . فما دبره إلا به . وأما قولنا أو بصورته - أعني صورة العالم - فأعني به الأسماء الحسنى والصفات العلى التي تَسمّى الحق بها واتصف بها . فما وصل إلينا من اسم تَسَمّى به إلا وجدنا معنى ذلك الاسم وروحه في العالم . فما دبر العالم أيضاً إلا بصورة العالم . ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات والصفات والأفعال « إن الله خلق آدم على صورته » . وليست صورته سوى الحضرة الإلهية . فأوجد في هذا المختصر الشريف الذي هو الإنسان الكامل جميع الأسماء الإلهية وحقائق ( 1 ) ما خرج عنه في العالم الكبير المنفصل ، وجعله روحاً للعالم فسخر له العلو والسفل لكمال الصورة ( 2 ) . فكما أنه ليس شيء من ( 3 ) العالم إلا وهو يسبح بحمده ، كذلك ليس شيء من ( 4 ) العالم إلا وهو مسخر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته . فقال تعالى « وسَخَّرَ لَكُمْ ما في السَّماواتِ وما في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه » . فكل ما في العالم تحت تسخير ( 5 ) الإنسان ، عَلِمَ ذلك من علمه - وهو الإنسان الكامل - وجهل ذلك من جهله ، وهو الإنسان الحيوان . فكانت صورة إلقاء موسى في التابوت ، وإلقاء التابوت في اليم صورة هلاك ، وفي الباطن كانت نجاة له من القتل . فحيي كما تحيا النفوس بالعلم من موت الجهل ، كما قال تعالى « أومن كانَ مَيْتاً » يعني بالجهل « فَأَحْيَيْناه » يعني ( 6 ) بالعلم ، « وجَعَلْنا لَه نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ » وهو الهدى ، « كَمَنْ مَثَلُه في الظُّلُماتِ » وهي الضلال « لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها » أي لا يهتدي أبداً : فإن الأمر ( 7 ) في نفسه لا غاية له يوقف ( 8 ) عندها . فالهدى هو أن يهتدي الإنسان
--> ( 1 ) ن : ساقط ( 2 ) ن : ساقط ( 3 ) ب : « في » ( 4 ) ب : « في » ( 5 ) ب : تسخيراً ( 6 ) ب : ساقطة ( 7 ) ب : العلم ( 8 ) ن : فيوقف